ابراهيم بن عمر البقاعي

494

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة إِذا تَناجَيْتُمْ أي قلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرا فَلا تَتَناجَوْا أي توجدوا هذه الحقيقة ظاهرة كتناجي المنافقين بِالْإِثْمِ أي الذنب وكل فعل يكتب بسببه عقوبة . ولما عم خص فقال : وَالْعُدْوانِ أي الذي هو العدو الشديد بما يؤذي وإن كان العادي يظن أنه لا يكتب عليه به إثم . ولما كان السياق لإجلال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أنه لا تعرف حقيقة الإثم إلا منه قال تعالى : وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ أي الكامل في الرسلية فإن ذلك يشوش فكره فلا يدعه يبلغ رسالات ربه وهو منشرح الصدر طيب النفس . ولما علم أن نهيهم إنما هو عن شر يفسد ذات البين وهو ما لا يريدون اطلاع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليه ، صرح بقوله حثا على إصلاح ذات البين لأن خير الأمور ما عاد بإصلاحها ، وشر الأمور ما عاد بإفسادها : وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ أي بالخير الواسع الذي فيه حسن التربية . ولما كان ذلك قد يعمل طبعا ، حث على القصد الصالح بقوله : وَالتَّقْوى وهي ما يكون في نفسه ظاهرا أنه يكون سترة تقي من عذاب اللّه بأن يكون مرضيا للّه ولرسوله . ولما كانت التقوى أم المحاسن ، أكدها ونبه عليها بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اقصدوا قصدا يتبعه العمل أن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية . ولما كانت ذكرى الآخرة هي مجمع المخاوف ولا سيما فضائح الأسرار على رؤوس الأشهاد قال : الَّذِي إِلَيْهِ أي خاصة تُحْشَرُونَ * أي تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره ، وهو يوم القيامة ، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير لا يخفى عليه خافية ولا تقي منه واقية تنكشف فيه سرادقات العظمة ، ويظهر ظهورا تاما نفوذ الكلمة ، ويتجلى في مجالي العز سطوات القهر ، وتنبث لوامع الكبر ، فإذا فعلتم ذلك مستحضرين لذلك لم تقدموا على شيء تريدون إخفاءه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون ذلك أقر لعينه وأطهر لكم . ولما شدد سبحانه في أمر النجوى وكان لا يفعلها إلا أهل النفاق ، فكان ربما ظن ظان أنه يحدث عنها ضرر لأهل الدين ، قال سارا للمخلصين وغاما للمنافقين ومبينا أن ضررها إنما يعود عليهم : إِنَّمَا النَّجْوى أي المعهودة وهي المنهي عنها ، وهي ما كره صاحبه أن يطلع عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : ما خيله الشيطان من الأحكام المكروهة للإنسان مِنَ الشَّيْطانِ أي مبتدئة من المحترق بطرده عن رحمة اللّه تعالى فإنه الحامل عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالف لأوليائه . ولما بين أنها منه ، بين الحامل له على تزيينها فقال : لِيَحْزُنَ أي الشيطان ليوقع